ابن حزم

555

الاحكام

الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله . وأما قولهم : إنهم شهدوا آخر حكمه صلى الله عليه وسلم وعلموا ما نسخ مما لم ينسخ فتمويه فاحش ، وكذب ظاهر ، بل الخارجون من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق ، والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة ، فظهر فساد كل ما موهوا به وبنوه على هذا الأصل الفاسد ، وأسموه بهذا الأساس المنهار . وأما قولهم : إن من المحال أن يخفى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأكثر ، وهم الباقون بالمدينة ، وبعلمه الأقل ، وهم الخارجون عن المدينة ، فتمويه ظاهر ، وشغب غث ، وإنما كان ممكن أن يموهوا بذلك ، لو وجدوا مسألة رويت من طريق كل من بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم ، وأفتى بها كل من بقي بالمدينة من الصحابة . وأما ولا يجدوا هذا أبدا ، ولا في مسألة واحدة ، وإنما وجد فتيا الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك ، وروايتهم كذلك ، فممكن أن يغيب حكم النبي صلى الله عليه وسلم عن النفر من الصحابة ، وبعلمه الواحد والأكثر منهم ، وقد يمكن أن يكون الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة ، ويمكن أن يبقى بها ، ويمكن خلاف ذلك أيضا ، ولا فرق ، وإنما تفرق الصحابة في البلاد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم . وأما قول عبد الرحمن لعمر - الذي ذكرنا - في تأخير الامر حتى يقدم المدينة فيخلو بوجوه الناس ، وأهل الفقه وأهل العلم ، فوالله ما أدرك مالك من هؤلائك أحدا ، وإنما أخذ عنهم كما فعل أهل الأمصار سواء ولا فرق ، وأيضا فما كل قول قاله عبد الرحمن ، ووافقه عليه عمر رضي الله عنه حجة ، وقد علم جميع أهل الاسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يخطب الخطبة التي عهد فيها إلى الناس وجعلها كالوداع لهم وقررهم ألا هل بلغت ، وأشهد الله تعالى عليهم ، إلا في الموسم أحفل ما كان في الاعراب وغيرهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى من رأي رآه عبد الرحمن وعمر رضي الله عنهما . وبرهان ذلك أنه لو سلك الأئمة هذا الرأي ما تعلم جاهل شيئا أبدا ، فصح أنه لا بد من مخاطبة الرعاع والجهال بما يلزم علمه ، والعجب كله أنهم يموهون إجماع